كانَتِ الشَّمْسُ خِنْجَرًا مِنْ نُورٍ يَغُوصُ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ، تَرْسُمُ ظِلَالًا حَادَّةً كَالشَّفَرَاتِ عَلَى جُدْرَانِ «بْلُو جُون كَانْيُون» الحَمْرَاءِ الشَّاهِقَةِ.
الْهَوَاءُ، جَافًّا وَنَقِيًّا، كَانَ يَحْمِلُ صَمْتًا أَزَلِيًّا لَا تَكْسِرُهُ إِلَّا هَمَسَاتُ الرِّيحِ، وَهِيَ تَتَسَلَّلُ عَبْرَ الْمَمَرَّاتِ الصَّخْرِيَّةِ الضَّيِّقَةِ.
فِي هَذَا الْمَشْهَدِ الْبِدَائِيِّ الْمَهِيبِ، كَانَ آرُونُ رَالِسْتُونَ يَتَحَرَّكُ بِرَشَاقَةِ الْوَاثِقِ؛ لَمْ يَكُنْ زَائِرًا، بَلْ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْمَكَانِ، رُوحًا تَجِدُ صَدَاهَا فِي هَذِهِ الْعُزْلَةِ الْقَاسِيَةِ وَالْجَمَالِ الْجَامِحِ.
كَانَ يَهْبِطُ فِي أَحَدِ تِلْكَ الشُّقُوقِ الَّتِي حَفَرَتْهَا السُّيُولُ وَالْغُبَارُ عَلَى مَدَى دُهُورٍ؛ مَمَرٌّ ضَيِّقٌ بِالْكَادِ يَتَّسِعُ لِجَسَدِهِ.
كَانَتْ جُدْرَانُهُ الْمَلْسَاءُ بَارِدَةَ الْمَلْمَسِ، تَحْكِي قِصَصًا عَنْ زَمَنٍ سَحِيقٍ.
مَدَّ يَدَهُ لِيَتَّكِئَ عَلَى صَخْرَةٍ بَدَتْ رَاسِخَةً كَأَنَّهَا قَلْبُ الْجَبَلِ، خُطْوَةً رُوتِينِيَّةً فِي رَقْصَتِهِ الْمُعْتَادَةِ مَعَ الطَّبِيعَةِ... وَفِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، انْهَارَ الْكَوْنُ.
تَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ.
لَمْ يَكُنِ اهْتِزَازًا، بَلْ كَانَ تَمَزُّقًا عَنِيفًا فِي نَسِيجِ الْوَاقِعِ.
صَوْتُ احْتِكَاكٍ صَخْرِيٍّ عَمِيقٍ وَبِدَائِيٍّ، كَأَنَّ الْأَرْضَ تَلْفِظُ أَنْفَاسَهَا الْأَخِيرَةَ.
قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ عَقْلُهُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْكَارِثَةِ، هَوَتِ الْكُتْلَةُ الَّتِي تَزِنُ ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ، جَاذِبَةً مَعَهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، وَسَاحِقَتْهُ بِقُوَّةٍ كَوْنِيَّةٍ عَمْيَاءَ عَلَى جِدَارِ الْوَادِي.
صَرْخَةٌ حَادَّةٌ، مَزِيجٌ مِنَ الأَلَمِ وَالرُّعْبِ، انْطَلَقَتْ مِنْ حَنْجَرَتِهِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ صَدًى.
ابْتَلَعَهَا الْفَرَاغُ الشَّاسِعُ، وَمَاتَتْ فِي صَمْتِ الْوَادِي الْمُطْبِقِ.
ثُمَّ حَلَّ سُكُونٌ مُرَوِّعٌ، لَا يَقْطَعُهُ سِوَى هَسْهَسَةِ أَنْفَاسِهِ اللَّاهِثَةِ، وَدَقَّاتِ قَلْبِهِ الَّتِي كَانَتْ تَقْرَعُ فِي جُمْجُمَتِهِ كَطُبُولِ نَذِيرِ شُؤْمٍ.
نَظَرَ إِلَى حَيْثُ كَانَتْ يَدُهُ، لِيَجِدَهَا قَدِ ابْتَلَعَتْهَا الصَّخْرَةُ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ قَدْ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنَ الْجِيُولُوجِيَا، مُسَمَّرًا فِي مَكَانِهِ، سَجِينًا فِي قَبْرٍ مِنْ صَخْرٍ صَنَعَتْهُ الصُّدْفَةُ الْعَمْيَاءُ.
خَمْسَةُ أَيَّامٍ عَلَى حَافَّةِ الْعَدَمِ
مَرَّتِ السَّاعَاتُ الأُولَى فِي ضَبَابٍ مِنَ الأَدْرِينَالِينِ وَالإِنْكَارِ.
دَفَعَ، شَدَّ، حَاوَلَ بِجُهْدٍ فَاقَ طَاقَتَهُ أَنْ يُزَحْزِحَ لَعْنَةَ الصَّخْرِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ آمَالِهِ.
مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، تَسَرَّبَ إِلَيْهِ بَرْدٌ قَارِسٌ وَخَوْفٌ لَزِجٌ.
كَانَ الْيَوْمُ الأَوَّلُ.
جَاءَ الْيَوْمُ الثَّانِي حَامِلًا مَعَهُ عَطَشًا حَارِقًا.
قَطَرَاتُ الْمَاءِ الْقَلِيلَةُ الْمُتَبَقِّيَةُ فِي قِنّينَتِهِ تَحَوَّلَتْ إِلَى إِكْسِيرِ حَيَاةٍ، يَرْتَشِفُهَا بِحِرْصٍ وَتَقْدِيسٍ.
بَدَأَتِ الْهَلُوسَةُ تَرْسُمُ وُجُوهَ أَحِبَّائِهِ عَلَى الصُّخُورِ، وَالرِّيَاحُ تَحْمِلُ أَصْوَاتَهُمْ كَأَنَّهَا نِدَاءٌ مِنْ عَالَمٍ آخَرَ.
كَانَتِ اللَّيَالِي هِيَ الأَقْسَى، حِينَ يَغُوصُ الْوَادِي فِي ظَلَامٍ حَالِكٍ وَبَرْدٍ يَنْخُرُ الْعِظَامَ، وَيَبْقَى عَقْلُهُ وَحْدَهُ سَاهِرًا، يُصَارِعُ أَشْبَاحَ الْيَأْسِ وَالذِّكْرَيَاتِ.
فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَقَدِ اسْتَنْفَدَ كُلَّ قَطْرَةِ مَاءٍ، أَخْرَجَ كَامِيرَتَهُ الرَّقْمِيَّةَ الصَّغِيرَةَ.
لَمْ يَعُدْ يُصَوِّرُ جَمَالَ الْمَكَانِ، بَلْ بَدَأَ يُوَثِّقُ نِهَايَتَهُ.
سَجَّلَ رَسَائِلَ وَدَاعٍ، شَهَادَةً أَخِيرَةً لِوُجُودِهِ، وَدَاعًا هَادِئًا مِنْ قَلْبِ قَبْرِهِ الْمَفْتُوحِ عَلَى السَّمَاءِ.
كَانَ الْمَوْتُ ضَيْفًا وَشِيكًا، يَشْعُرُ بِأَنْفَاسِهِ الْبَارِدَةِ عَلَى وَجْهِهِ الشَّاحِبِ.
وَلَكِنْ فِي فَجْرِ الْيَوْمِ الْخَامِسِ، وَسْطَ ضَبَابِ الْجَفَافِ وَالِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَوْتِ، بَزَغَتْ فِكْرَةٌ.
فِكْرَةٌ وَحْشِيَّةٌ، مُتَطَرِّفَةٌ، تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْعَقْلِ وَالْمَنْطِقِ.
نَظَرَ إِلَى ذِرَاعِهِ الْمَسْحُوقَةِ، ثُمَّ إِلَى سِكِّينِهِ مُتَعَدِّدِ الِاسْتِخْدَامَاتِ الرَّخِيصِ، الَّذِي كَانَ نَصْلُهُ بِالْكَادِ يَصْلُحُ لِقَطْعِ حَبْلٍ.
لَمْ يَعُدِ الْخِيَارُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالرَّاحَةِ، أَوْ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْيَأْسِ.
لَقَدْ أَصْبَحَ الْخِيَارُ مُطْلَقًا وَبِدَائِيًّا: الْحَيَاةُ أَوِ الْمَوْتُ.
وِلَادَةٌ مِنْ رَحِمِ الأَلَمِ
«لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ قَبْرِي... وَعُدْتُ إِلَى حَيَاتِي مَرَّةً أُخْرَى.»
لَمْ يَكُنْ قَرَارًا، بَلْ كَانَ إِعْلَانَ حَرْبٍ ضِدَّ الْقَدَرِ.
بِقُوَّةٍ تَفُوقُ الْخَيَالَ الْبَشَرِيَّ، كَسَرَ عِظَامَ سَاعِدِهِ، وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، مُسْتَغِلًّا وَزْنَ جَسَدِهِ ضِدَّ الصَّخْرَةِ.
ثُمَّ بَدَأَ فِي قَطْعِ اللَّحْمِ وَالأَوْتَارِ وَالأَعْصَابِ بِذَلِكَ النَّصْلِ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْحَادِّ.
كَانَتْ كُلُّ ثَانِيَةٍ دَهْرًا مِنَ الْعَذَابِ النَّقِيِّ، صُرَاخًا مَكْتُومًا يُمَزِّقُ رُوحَهُ، لَكِنَّ صُورَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ خَارِجَ هَذَا الْجَحِيمِ الصَّخْرِيِّ كَانَتْ تَدْفَعُهُ لِلِاسْتِمْرَارِ، كَانَتْ مَنَارَةً فِي بَحْرٍ مِنَ الأَلَمِ.
وَبَعْدَ سَاعَةٍ بَدَتْ كَأَنَّهَا الأَبَدِيَّةُ، تَحَرَّرَ.
سَقَطَ أَرْضًا، جَسَدًا مُنْهَكًا يَنْزِفُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حُرًّا.
نَظَرَ إِلَى الأَعْلَى، إِلَى ذَلِكَ الشَّرِيطِ الأَزْرَقِ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ سَقْفَ زِنْزَانَتِهِ، وَالآنَ أَصْبَحَ رَمْزًا لِلْحُرِّيَّةِ الَّلَا مُتَنَاهِيَةِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ لِلِانْهِيَارِ.
رَبَطَ مَا تَبَقَّى مِنْ ذِرَاعِهِ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ، وَبَدَأَ رِحْلَةَ الْخُرُوجِ الْمُسْتَحِيلَةِ.
هَبَطَ عَنْ جُرْفٍ يَبْلُغُ ارْتِفَاعُهُ خَمْسًا وَسِتِّينَ قَدَمًا، مُعْتَمِدًا عَلَى يَدٍ وَاحِدَةٍ وَجَسَدٍ عَلَى شَفَا الِانْهِيَارِ.
ثُمَّ بَدَأَ يَمْشِي.
سَبْعَةَ أَمْيَالٍ تَحْتَ شَمْسِ يُوتَا الْحَارِقَةِ، يَتَرَنَّحُ، يَهْذِي، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْشِي نَحْوَ الْحَيَاةِ.
كُلُّ خُطْوَةٍ كَانَتِ انْتِصَارًا، وَكُلُّ نَفَسٍ شَهَادَةً عَلَى أَنَّ الرُّوحَ الْبَشَرِيَّةَ أَقْوَى مِنَ الصَّخْرِ، وَأَعْصَى عَلَى الْكَسْرِ مِنَ الْعِظَامِ.
وَأَخِيرًا، رَآهُ بَعْضُ الْمُتَنَزِّهِينَ، شَبَحًا يَتَرَنَّحُ فِي الصَّحْرَاءِ، مُغَطًّى بِالدَّمِ وَالْغُبَارِ، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ مَنْ انْتَصَرَ عَلَى الْمَوْتِ نَفْسِهِ.
لَمْ تَكُنِ الصَّخْرَةُ الَّتِي حَاصَرَتْهُ مُجَرَّدَ كَارِثَةٍ، بَلْ كَانَتْ نِعْمَةً مُقَنَّعَةً، كَانَتِ الْمُحَفِّزَ الَّذِي أَجْبَرَهُ عَلَى اكْتِشَافِ مَا هُوَ اسْتِثْنَائِيٌّ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ.
كَمَا قَالَ لَاحِقًا: «قَدْ تَكُونُ صُخُورُكُمْ هِيَ بَرَكَاتِكُمْ، قَدْ تَكُونُونَ قَادِرِينَ عَلَى احْتِضَانِهَا، وَقَدْ تَجِدُونَ مَا هُوَ غَيْرُ عَادِيٍّ فِي أَنْفُسِكُمْ.»
دَخَلَ آرُونُ رَالِسْتُونَ ذَلِكَ الْوَادِيَ مُتَسَلِّقًا مَاهِرًا، وَخَرَجَ مِنْهُ أُسْطُورَةً حَيَّةً، لَيْسَ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ، بَلْ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِلْعَالَمِ أَنَّ إِرَادَةَ الْحَيَاةِ، حِينَ تَتَجَذَّرُ فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ، قَادِرَةٌ عَلَى تَحْطِيمِ أَقْسَى الصُّخُورِ، وَعَلَى أَنْ تَلِدَ مِنْ رَحِمِ الْمَوْتِ حَيَاةً جَدِيدَةً.
